إدارة ترامب والدعوة إلى شريعة الغاب

يعتقد رؤساء أمريكا على مر الزمن إن شعوب العالم يجب أن تكون خاضعة لمشيئتهم وسياساتهم الإستعمارية الظالمة طالما إنهم يقودون دولة عظمى تمتلك أول قوة عسكرية عالمية، وإمكانات إقتصادية هائلة. وقد نسوا أو تناسوا إن الشعوب الحرة لن تذعن ولن ترفع لهم الراية البيضاء مهما بلغت تضحيات أبنائها على مذبح الحرية والإنعتاق والتحرر من ربقة الإستعباد والهيمنة الأجنبية. مجسدة بيت الشاعر الراحل أحمد شوقي:

وللحريةِ الحمراءِ بابٌ
بكلٍ يدٍ مُضرجةٍ يُدقُ.
والتأريخ زاخر بالشواهد الحية.

لقد حاول حكام الإمبراطوريات إبراز عضلاتهم على العديد من الشعوب المستضعفة، وتم تهديدها بالأساطيل الجوية والبحرية وحتى الأسلحة النووية. وتوهموا إنهم أكبر من تلك الشعوب . وإن إرادتها عبارة عن كرة يتقاذفونها في ملعبهم، لكنهم لم يستطيعوا تنفيذ مآربهم بعد أن اصطدمت مؤامراتهم بصلابة وعزيمة تلك الشعوب الحية الرافضة لمنطق الهيمنة والحصار والتجويع. وظلت تلك الشعوب شامخة مرفوعة الرأس، معمدة شموخها وصمودها بدماء أحرارها ومناضليها. وخاب فأل المستكبرين وتبخرت أحلامهم.وراحوا يجرجرون وراءهم عوامل الفشل والخيبة.وهذا هو منطق التأريخ.

واليوم يتربع على رأس السلطة في أمريكا رئيس يميني متصهين وتاجر مصاب بجنون العظمة. وهو يدعي أمام الملأ إن جميع الرؤساء الأمريكان الذين حكموا قبله كانوا ضعفاء، وإنهم كسروا هيبة أمريكا. أما هو فله القدرة على القيام بكل شيئ عظيم. وآت بما لم تستطعه الأوائل من خلال إمبراطوريته التي تمتلك السلاح المتطور والثروات الهائلة.

وما دام هو الرأس الأعلى لهذه الإمبراطورية. فهو القادر على رسم المسار للشعوب وحكوماتها وفق ماتشتهيه إدارته التي أختارها لهذا الغرض . ويدعي بكل صلافة وغرور الحاكم إنه إذا تمت تنحيته من قبل الكونغرس فإن الملايين من أفراد الشعب الأمريكي سيفتقرون من بعده. وسيندمون على تنحيته. ولم يتأخر في إبداء إستعداده التام للتعاون مع أعتى المجرمين من أجل الحصول على المال لكسب رضا العدد الأكبر من الأمريكيين كما يفعل اليوم مع المجرم المتوحش محمد بن سلمان الذي يشن حرب إبادة همجية، ويتبع أسلوب الأرض المحروقة على شعب اليمن الذي يتعرض 80% منه إلى أسوأ مجاعة في التأريخ.

ويصر ترامب مع حلفائه من حكام الغرب إمداده بأقوى وأشد الأسلحة التدميرية والقاتلة. ويسعى بكل الطرق الملتوية لتمييع جريمته بقتل الصحفي جمال خاشقجي بتلك الصورة البشعة في القنصلية السعودية في إستانبول بعد أن أدلى بحزمة من التصريحات المراوغة والمخادعة التي هدفها تجميل صورة عميله الثري للحصول على المزيد من الأموال للخزينة الأمريكية حتى يشير إليه عبيد المال في أمريكا بالبنان ويقولون بأنه رئيس لايتكرر. لكن مراوغاته ستسقط عن وجهه القناع، وتظهره على حقيقته بأنه عدو لدود لحقوق الإنسان ولو بعد حين.

وللتقرب أكثر من الكيان الصهيوني إعترف هذا الرئيس المتصهين بأن القدس هي عاصمة الكيان الغاصب والمعتدي متجاهلا ومستهينا بمشاعر مليار ونصف مليار مسلم.وأمر بأن تذهب قواته من خلف البحار والمحيطات لتحتل ثلث الأراضي السورية، وتبني فيها عشر قواعد عسكرية دون موافقة حكومتها وبعيدا عن أي تفويض دولي. وغارات طائراته قتلت المئات من الأبرياء العزل في سوريا والعراق بحجة محاربة داعش دون أي إعتذار أو تعويض لعوائل الضحايا.

وقد أجمع معظم المحللين السياسيين الكبار في العالم إن هذا الرئيس التاجر بمواقفه الشاذة، وتغريداته الكثيرة هو رئيس نزق ومتهور، وبذيئ اللسان ، ومتقلب المزاج، ومتناقض في تصريحاته، ولايؤمن بأية قيمة إنسانية أو أخلاقية عليا، ولا يعترف بحق الشعوب في العيش بكرامة. وغايته القصوى هو الحصول على المال، والدفاع عن الكيان الصهيوني الإرهابي والإنسحاب من الاتفاقات والمعاهدات الدولية التي عقدتها الحكومات الأمريكية السابقة، وهاجم الصحافة والمسلمين، وحتى الحلفاء والأذناب على السواء بصورة فضة وغير مسبوقة وبث روح الكراهية العنصرية في المجتمع الأمريكي، وطلب من عملائه المزيد من المال لقاء حمايتهم كما فعل مع الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز.

وبالتالي فقد أثبتت تصرفاته إنه أسوأ رئيس عرفته أمريكا عبر تأريخها بإجماع جل الصحافة الأمريكية والغربية ،ومعظم السياسيين الكبار في العالم.

وكل الحماقات التي قام وسيقوم بها مستقبلا هي تحت شعار: (أمريكا أولا ). لكن تصرفاته الهوجاء إرتدت عليه، وأساءت إلى سمعة أمريكا كدولة عظمى إساءات بالغة.

ولا يختلف إثنان إن الصفات الرئيسية لرؤساء الدول العظمى هي إحترام المعاهدات الدولية التي وقع عليها رؤساء سابقون وإطلاق الكلام المتزن والمسؤول في التعامل مع الدول الأخرى وهذا مايؤكد عليه القانون الدولي. لكن دونالد ترامب ضرب ذلك عرض الحائط، واعتمد على منطق القوة وخضعت تلك المعاهدات لمزاجه ومزاج طغمته الحاكمة التي إختارها لتكون عونا له في تهوره وغطرسته وحماقاته واستهتاره.

وقد عرف العالم إن أولى حماقاته بعد مراسم تنصيبه، التي جرت في 20 يناير 2017، هي إنسحابه من اتفاقية الشراكة التجارية عبر المحيط الهادئ، والتي وافق عليها الرئيس السابق باراك أوباما في 2015 مع 12 دولة أبرزها كندا والمكسيك ونيوزيلندا وأستراليا وماليزيا واليابان، والتي كانت تشمل 40% من الاقتصاد العالمي، عبر خفض الرسوم الجمركية، والحفاظ على المناخ.

وثاني قرارات الانسحاب التي نفذها، هو خروجه من اتفاقية التغييرات المناخية المهمة التي وقعتها جميع بلدان العالم عام 2015، والتي تُلزم 187 دولة بالإبقاء على درجات الحرارة العالمية المتزايدة عند مستوى أقل بكثير من درجتين مئويتين.

وتوالت الإنسحابات فانسحب من منظمة حقوق الإنسان ، ومن منظمة اليونسكو ، ومن وكالة إغاثة اللاجئين الفلسطينيين (الأنروا) إكراما لرغبة الكيان الصهيوني الغادر. ثم من معاهدة حظر الصواريخ النووية مع روسيا. وهدد في مقابلة أجراها مع وكالة (بلومبرج ) الأمريكية، بالانسحاب من منظمة التجارة العالمية، وشن حربا إقتصادية شعواء على الصين وروسيا وألمانيا وكندا . وأخطر تلك الإنسحابات وأشدها تهورا واستهتارا هو إنسحابه من الإتفاق النووي بين إيران والدول الست التي وقعت عليها وهي أمريكا وألمانيا وإنكلترا وفرنسا وروسيا والصين ووافقت عليها الأمم المتحدة. وباركته كل دول العالم وشذ عن تلك المباركة الكيان الصهيوني والنظام السعودي وأتباعه من شيوخ وملوك البترول في الإمارات والبحرين .

وقد أثار ذلك الإنسحاب إستهجان معظم رؤساء العالم وسياسييه ومفكريه الذين يهمهم سلام العالم وأمنه واستقراره. باستثناء تلك الدول الثلاث التي هللت ورقصت له .وآعتبرت الإنسحاب منه إنجازا تأريخيا عظيما.!!!

وعلى سبيل المثال فقد عبرت الدكتورة نهي بكر خبيرة الشأن الأمريكي عن هذا الإنسحاب قائلة:

(إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منتم لحزب اليمين الأمريكي، موضحة أن هذا الحزب يعرف بعدم الإيمان بالعمل الجماعي ويعمل على إعطاء الولايات المتحدة الأولوية والأفضلية في كل شيء، مؤكدة أن الذي ميز ترامب عن بقية الرؤساء السابقين التابعين لهذا الجانب أنه رئيس غير نمطي وغير مبال بأهمية العلاقات الدولية مع الولايات المتحدة من خلال إرضاء الكيان الإسرائيلي).

وقالت نورهان الشيخ أستاذ العلاقات الدولية بجامعة القاهرة:

(إن ترامب يختلف عن الرؤساء السابقين للولايات المتحدة في كونه رجل أعمال لم يخض الأعمال السياسية ولم يدرك أهمية العلاقات الدولية وما يمكن أن تؤول له الأمور السياسية التي من الممكن أن تنقلب ضد الولايات المتحدة .)

ورافق الإنسحاب إصدار دفعتين من العقوبات الجائرة، وحصار أحادي غير مسبوق لا يقره شرع ولا قانون، وشملت عقوباته كل الدول التي تتعامل تجاريا مع إيران وهو إعتداء صريح على سيادة هذه الدول وعلى شعب الجمهورية الإسلامية الإيرانية وقيادته. مطالبا رضوخها المطلق لشروطه الإستسلامية التعجيزية التي أعلنها وزير خارجيته. ولا تختلف عقوباته الهمجية الفردية الظالمة عن منطق شريعة الغاب أبدا.

ومن أبرز تلك شروط شريعة الغاب هذه هي تخلي الجمهورية الإسلامية عن أسلحتها الدفاعية التي تصنعها أيادي أبنائها. في الوقت الذي يفتح مخازن السلاح الفتاك لعملائه في المنطقة، ويعقد معهم الصفقات الهائلة التي تقدر بمئات المليارات من الدولارات. ناسيا تماما طبيعة القيادة الإيرانية وشعبها اللذان فرض عليهما الحصار منذ قيام الثورة الإسلامية المباركة عام 1979 بقيادة القائد التأريخي الراحل الإمام الخميني قدس الله ثراه وأسكنه فسيح جناته. هذه الثورة العظيمة التي زرعت الرعب في أعماق الكيان الصهيوني والإستكبار العالمي بدعمها لكل المظلومين في العالم. ومن المؤكد إن ترامب قد سقط في الوهم كغيره من الرؤساء السابقين حين ظن إن إيران الإسلام ستحذو حذو كوريا الشمالية.

ومن أكبر مهازل العصر أن يجتمع ترامب بالإرهابي القاتل بنيامين نتنياهو والرئيس الفرنسي ماكرون ورئيسة وزراء بريطانيا تيريزا مي وغيرهم من مصدري الأسلحة الفتاكة وقتلة الشعوب في الذكرى المئوية للحرب العالمية الأولى . وهم يعبرون في ذلك الإجتماع عن (رغباتهم) في رفض الحروب وإحلال السلام بين الشعوب. ويتساءل كل حر شريف في هذا العالم عن أي سلام ووئام بين الشعوب يتحدث هؤلاء القتله وضحايا أسلحتهم المدمرة تقدر بعشرات الآلاف من البشر الأبرياء في اليمن وسوريا والعراق وغيرها؟

لقد نسى أو تناسى ترامب إن الرؤساء الأمريكان الذين سبقوه قد حاولوا بكل الوسائل الخسيسة إسقاط نظام الجمهورية الإسلامية بعد أن فرضوا عليها الحصار منذ اليوم الأول لآنبثاقها، ثم داعبتهم أحلامهم المريضة حين دفعوا عميلهم المقبور صدام ليقوم بتلك المهمة المستحيلة بعد حرب الثمان سنوات التي شنها وحطمت مقدرات الشعبين، وتركت وراءها مليون ضحية. لكن الثورة الإسلامية صمدت وأفشلت أخطر المؤامرات، وشقت طريقها نحو ذرى العلم والقوة والمنعة، وتوحد الشعب الإيراني خلف قيادته، ورد كيد الأعداء ومؤامراتهم إلى نحورهم.ولو فهم المقاول المتهور ترامب طبيعة الشعب الإيراني وقدرته الأسطورية على تجاوز المحن والصعاب لتأكد إن أحلامه كأحلام العصافير وهي غير قابلة للتحقيق أبدا. فلا هو ولا إدارته ولا العملاء من ملوك وشيوخ البترول في المنطقة لهم القدرة على إطفاء شعلة هذه الثورة أبدا .وسيسقط ترامب ومعه شريعة الغاب التي يعشقها،وكل العملاء الصغار في قعر مزبلة التأريخ . وتبقى الجمهورية الإسلامية ناصعة الجبين ،حصينة منيعة ثابتة الأركان كالطود الأشم، وإن غدا لناظره قريب.

ملاحظة : لم أكتب هذا المقال بدافع من أحد لكن بوحي من ضميري في الوقوف مع الحق ضد الباطل. والله يشهد على ماأقول.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى