أنا معارض اذًا أنا معدوم!!

هي حلقةٌ من حلقاتِ التاريخِ البربري التوليتاري لنظامٍ لا يفقهُ الا منطق التخويف والتوحش والذبح والإبادة، واسمحوا لي بأن لا أصنفها انتقامًا طائفيًا ضد فئةٍ معينة ﻷن ذلك يعدّ اجحافًا بحق ألاف الضحايا الذين سقطوا ويسقطون كل يوم بجرم الكلمة والرأي الشجاع، انها تصفيةُ حساباتٍ وتبشيرٌ لكلِ محتجٍ بأن ثمن احتجاجه يُسددُ دمًا ودمعَ أمٍ وأبٍ ستظل تخنقهما الى آخر العمرِ غصةُ الفقد ورحلةُ اللاوداع واللاعودة.

انها مذبحةٌ ارتأى من خلالها أميرُ الاصلاحات المزعومة أن يؤكد مرةً آخرى بأن نظام قبيلتهِ خطرٌ وجوديٌ يهددُ الحالمين بربيعٍ يزهرُ حريةً دفنها القمعُ وحدُّ السيفِ وصناديقُ السفاراتِ في ذممِ المنظماتِ ومبعوثيها ومُقرِريها، سادةُ الشجب والادانات والاعرابِ عن قلقٍ هنا وقلقٍ هناك!! خلال العقد الأخير، ما برح أبناءُ سعود عن التفننِ في استعراضِ مواهبهم الاجرامية، مواهبُ الذبح وقطع الرؤوس والصلب و التكفيرِ بشتى صنوفهِ وألوانه، التي برزت كامتدادٍ واضحٍ وجليّ للممارسات الصهيونية والامبريالية. مما لا شك فيه بأن تصفية النشطاء السبعة والثلاثين، وتأطيرُ المذبحة الشنيعة بحجة الارهاب الواهية، ليست على العكس، سوى شهادةُ تأكيدٍ بأن هؤلاء النشطاء الشهداء المظلومين أهلُ الوطنية والإصلاح والتغيير الحقيقي.

وكذلك أثبتت الجريمةُ المعلومِ المعروف وهو أن قادة السيرك العالمي ملزمون بغضّ الطرف عن الذئب الشارد بأنيابه المُسننة ومخالبِه الحادّة وما تسول له نفسه من استهدافاتٍ واغتيالاتٍ واعداماتٍ بالجملة، إذ إن هؤلاء لا تخدم مصالحهم سوى التصريحات والاستنكارات المنمقة ل “حدثٍ” غدا مرتقبًا وعابرًا وروتيني.

نعم يصادقُ هؤلاء على “ارهابية” الضحايا، ذلك أن مجرد الحلم بإحداث تغييرٍ لواقع شبه الجزيرة العربية يبددُ أحلامهم هم كمستعمرين، يبددُ مؤمراتهم التي لا يكفلُ ديموميتها الا المنطق المكيافيلي “الغاية تبرر الوسيلة.” فكي يدوم الاستعمار، لا بد من كمّ الأفواه المعارضة، الإسلامية والليبريالية، ومن تعمية العقول ومن فبركة الحقائق ومن الكذب والكذب والكذب.

ان التزام “الشرعية الدولية” وقادة العالم بتدليل البقرة السعودية استجابةً لمصالحهم الاستكبارية أدى الى تعاظم السرطان الوهابي التكفيري الرديكالي. انه السرطان الذي فتت سوريا ودمر العراق ويتآمر على الفلسطينيين ويحصار ويجوع اليمنيين ويعزز “الإسلموفوبيا،” التي على أساسها جرى هجوم مسجد نيوزيلندا الدامي، والذي كذلك يحرض على استهداف الشعائر وتفجير دور العبادة كما حصل في كنائس سيرلانكا نهاية الأسبوع الفائت.

ان لإلتزام “الشرعية الدولية” وقادة العالم الصمت محصلتين طبيعيتين. المحصلةُ الأولى تكمنُ في مُضيِّ الشعوبِ الرازحةِ تحت نير الاستبداد السعودي في نشاطها المطلبي الحقوقي وتحوله من مبدأ السلمية الى مبدأ “العينُ بالعين والسنُ بالسن،” فصبرهم لا لن يدوم طويلًا وسحرُ الظلمِ سينقلبُ على الظالم حتمًا.

مرحلةُ اليقضة ستطالُ كافة الأطياف في شبه الجزيرة العربية، وستعي النخبُ بكافة انتماءتها كيف حوّل أمراءهم الأوطان الى حامياتٍ ينهب ثرواتها المستعمر، في الوقت الذي يكابدون فيه لتحصيل قوت يومهم، في ظلّ تقهقر الوضع الاقتصادي وارتفاع الدين العام وتراجع الخدمات وازدياد أعباء المعيشة.

أما المحصلةُ الآخرى والمؤسفة هو أن قوى الاستكبار وكما أقرت هيلاري كلينتون يومًا ستقفُ عاجزةً عن اخماد النار الوهابية المستعرة التي ستلتهب وتضطرم وتتقد لتحرق بأيديولوجيتها المتوحشة أوروبا ومعها أمريكيا وديارُ كل الساكتين عن سياسة التصفية والقبصة الحديدية التي يفرضها السعودي ومعه البحرينيُ وغيره الكثيرُ من رؤوس الاستكبارِ في المنطقة. لا يستهدفُ نظامُ القبيلةِ اليوم “الشيعة” فقط في المنطقة الشرقية، فهو لا يوفرُ ناشطًا ولا إعلاميًا ولا ناقدًا ولا رأيًا يتعارضُ مع سياسته التعسفية ومنطق الغلبة والإقصاء. المعادلةُ عنده كالتالي: “نفذ ولا تعترض.”

لا يحق لك أبدًا، مهما علا شأنك، وإن كنت صحافيًا ﻷعرق الصحف الإمبريالية، أن تنتقد أميرًا سيكتبُ التاريخُ بأن عهده كان أسودًا دمويًا ظلاميًا وقمعيًا. في القادم من الأيام، سينفذُ الصبرُ وسيكون أمام شعوب تلك المنطقة خياران اثنان اما الانعتاق واما الانعتاق، ذلك أن أرواح ضحاياهم ستلعنهم اذا ما طال صمتهم وطال ساعة الخسم وقرارُ الطلاق من حكم الشيطان.

ستسألُ تلك الشعوبُ منطق التسلط والاستئثار بالسلطة ونهب الثروات. وستسألُ أيضًا عن حقها بالحرية أيديولوجيًا وثقافيًا وسياسيًا واقتصاديًا. ستسأل وتتعمق أكثر لتجد بأن هذا النظام الرجعي ابتكره الاستعمار ليشق الصف العربي وليسيطر على فلسطين ومعها ثرواتُ العرب كل العرب. ستعي الشعوبُ بأن حريتها تستحقُ مواجهة وهم وخرافة “اللاحرية” وبأن انعتاقها ليس مستحيلًا بل رهنُ تكفيرها لهذا النظام التكفيري نفسه، نظامٌ أعدم الشيعي والسني والليبرالي ونظامٌ ما خدم يومًا مصلحةً عربيةً أو قومية.

نعم ستشهدُ المرحلةُ القادمةُ يقظة من توهم يومًا بأن حاكم الأمر الواقع “خادمًا للحرمين” وبأن حاشيته وجوقته ليست سوى مسمارًا دقّه المستعمرُ في نعشها، وقد آن الأوان لازالته لتقوم العروبةُ من بين الموتى، ليكسر قيدُ السجان.

المجدُ والعزةُ لشهداء الحرية، للذين ستزهرُ دماؤهم ذات فجرٍ ربيعًا حرًّا تصانُ فيه كرامة الإنسان وحقه وحريته. ببركة دمائهم تلك ستعبرُ الأجيالُ القادمةُ من مرحلةِ الانحطاط والاستعباد الى مرحلة الشعبِ وحكمه وكلمته، حيث لا سلطةَ ﻷميرٍ غلبه هواه “فتوارى عنه عقله.”

بواسطة
سندس يوسف الأسعد
الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى