أعمدة الاتفاقيات السبع…

لا نستطيع أن نخرج من التاريخ اذا كان أساس بنيان المنطقة وتحالفاتها بنيت على أنقاض أمةٍ متهالكة.. نعم، إنّ هناك صراعًا كبيرًا للسيطرة على المنطقة ولكلٍّ عناوينه. وقد يكون لإيران الشيعية طموحها في المنطقة ولكن هذا لا ينفي الطموح الامبراطوري الإسرائيلي المبني على التوراة والتركي المبني على الطموح السلطاني..

طبعًا لم نتطرّق للصراع الدولي التاريخي على المنطقة، والذي كان متوّجًا بتسع حروبٍ عالمية دعيت باسم الحروب الصليبية.. لن نغرق كثيرًا في التاريخ لأننا نحتاج الى مجلدات، ولكننا لا نستطيع أن نهمل الاتفاقيات التي لا زالت سارية تقود مصالح الغرب و”إسرائيل” في المنطقة. في العمق، لم يكن لورانس العرب ضابط استخباراتٍ بريطانية عاديًا، بل كان واجهةً صغيرةً جدًا لمخططٍ كبير كان أساسه إخراج المنطقة العربية من السيطرة العثمانية، وسأستحضر المهم منها.

أمران ركّز عليهما لورنس في اتفاقه مع الشريف حسين، أولهما عدم إعطاء الثورة العربية أي صفة دينية، بل يجب أن تبقى ضمن نطاق “القوميه العربية”، لأنهم في ذلك الوقت كانوا يريدون ضرب مركز الخلافة الاسلامية السنية وبأيدي السنة العرب. والأمر الثاني كان اتفاق فيصل بن الحسين مع هرتزل بعد نجاح الثورة وفي عام 1919 على إعطاء اليهود الحق بإقامة وطنٍ لهم في فلسطين، مع دعم تنفيذ قرار بلفور من أجل ذلك، وأودعت هذه الاتفاقية في الأمم المتحده لتثبيتها. وبعد إتمام الاتفاقية نفذت سايكس بيكو وأعطي فيصل الحكم في سورية ومن ثم طرد ليستقر حكم العائلة في الاردن شريطة أن تبقى تلتزم بتنفيذ الاتفاقية. وفي نفس الوقت أخرج لورنس ليوضع بدلًا منه الضابط البريطاني جون فيليبي الذي أصبح لصيقًا بالملك المؤسس عبد العزيز، حيث ساعده ببسط سلطته على نجد والحجاز وطبعًا أيضًا مقابل أمرين أساسيين: الأول الاتفاق على أن تقوم السعودية بالاعتراف بفلسطين وطن قومي لليهود والمساعدة على إتمام هذا الأمر، والأمر الثاني هو أن فيليبي انقلب على دولته واتفق مع الأمريكيين بإرادة يهودية لاستثمار النفط الذي أسست له شركة ارامكو ووضعت التعامل به عالميًا حصريًا بالدولار.

هاتان الاتفاقيتان لم تكونا منفردتين، فقد ترافقتا مع اتفاقية قام بها أتاتورك في تركيا بعد دخول الجيوش الفرنسية والبريطانية الى اسطنبول، وأهمها إقامة علاقات متطورة مع اليهود من أجل المساعدة على إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، مقابل أن يستلم الحكم في تركيا مع إلغاء الخلافة ووضع تركيا في مواجهة الثورة البلشفية في روسيا. أمام هذا الواقع والتطورات العالمية بعد الحرب العالمية الثانية وإخراج الكيان الإسرائيلي الى الوجود كدولة، كان لا بدّ من المواجهة المتعددة الأوجه مع المقاومات العربية والتي كانت تقودها الدول القومية فقط وعلى رأسها مصر، والتي جرى بها انقلاب نفّذه السادات بمساعدة سعودية انتهى بمعاهدة كامب ديفيد والتي أخرجت مصر من الصراع وأعطت الاعتراف بوجود “إسرائيل”، لتضاف الى الاتفاقيات السابقة والتي سرعان ما ظهرت بعدها الاتفاقيه الأردنيه النائمة والتي سميت فيما بعد بوادي عربة.

كل هذه الاتفاقيات لم تكن إيران حينها طرفًا مواجهًا حقيقيًا للمشروع الإسرائيلي، بل كانت مواكبة له وداعمة لخطواته عن طريق شاه إيران الذي كان فعليًا شرطي الخليج وكاتم أنفاسه. في العمق، وأمام واقع المواجهة المريرة، جرى التخطيط لتدمير الوعاء القومي العربي الذي تمثل بسورية والعراق والجزائر وليبيا ولبنان واليمن والمقاومة الفلسطينية، وهذا المخطط الذي استمرّ على مدى عشرات السنين نجح في تدمير العراق وليبيا وفشل في الجزائر ولبنان وسورية، ولكنه استطاع أن يمزق المقاومة الفلسطينية. وانطلاقًا من ذلك، كان لا بدّ من تحريك المركز الرئيسي الذي يضع يده على المركز الديني المهم، أي السعودية، لإخراج المارد الديني أو بالأحرى الطائفي ليكوّن حالة تدمير شامل وخاصةً بعد إسقاط الشاه في إيران، حيث أصبح الأمر خصبًا لإحياء الصراع السني – الشيعي. وتمّ العمل على ذلك سنوات كثيرة وطويلة ليكون الواصل الى فكر الشعوب بدلًا من قضايا المواجهة الحقيقية التي تطال الإسلام نفسه بكل طوائفه.

في العمق، بدأ الأمر بالربيع العربي أولًا لتغيير الخارطة السياسية والفكرية والعقائدية، مع إدخالها في الفوضى والقصور لتصبح تائهةً تبحث عن أيّ خلاصٍ حتى ولو كان على يد عدوّ الأمس “إسرائيل”. هذا المخطط الطويل الأمد والعالمي بتكوينه توقّف في سورية وقوبل بمواجهةٍ غير متوقعة انتهت بأحلاف حتى غير متوقعة، نتج عنها توسّع الصراع ليصبح إقليميًا ودوليًا. الآن نحن في خضم المواجهات بين هذين الحلفين وبأماكن متعددة من العالم بينها أوكرانيا وأمريكا اللاتينية وافريقيا، لنصل الى اليمن حيث سيكون لنا مقال منفرد عنه لأنه الحدث الحالي، ولكنه سيكون المنطلق لحرب طويله سينتج عنها أمور كارثية على منطقة الخليج، أقلها التفكيك والتقسيم على إيقاع الثورات الداخلية المسلحة والتي لم تكن إلّا ماردًا مسجونًا في قمقم.

عماد جبور | سلاب نيوز

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى