أصالة ثقافة الحياة في الرؤية القرآنيّة

نسمع الكثير من الضجيج الصاخب ، بان الدينَ يدعو الى الموت ، وينشر بين اتباعه ثقافة الموت ، وادبيات الرعب ، ولايعلمهم ابجديات الحياة . وفي المقابل هذه الاصوات تقدّم لنا الغرب ، ومن خلال انجازاته المهمّة في تطوير الحياة وتقدمها ، بانه ينشر ثقافة الحياة ، ويقف بوجه ثقافة الموت .

هذه النظرة قد تبدو صحيحة ، لاول وهلة ، وحسب مانرى ونشاهد من ظواهر العنف ، والموت المرعب الذي تمارسه الجماعات المتطرفة في بلداننا ، التي تجيد صناعة الموت ولاتعرف صناعة غيرها ، فهي لم تتعلم في اوكارها المغلقة ، الف باء ىالحياة. وفي المقابل نرى الغربيين يقبلون على الحياة ، انجازا وتعميرا وابداعا في كل مجال.

ولمحاولة فهم المسالة ، لابد ان نرجع الى القران الكريم ، مصدر ثقافتنا الدينيّة ، الذي قدمّ رؤية واضحة لهذه القضيّة المهمّة .

في قصة ابني ادم عليه السلام ، يطرح القران رؤية هابيل الايمانيّة تجاه اخيه قابيل الذي قال له : (لاقتلنك ) ، فاجابه هابيل كما ينقل القران الكريم عنه :

( لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ) . المائدة : الاية : 28 .

من خلال هذه الاية نفهم ان هابيل المؤمن يؤمن بثقافة الحياة ؛ ويواجه بها ثقافة الموت التي تجذرت في اعماق نفسية قابيل السوداء.

وهناك اية اخرى تؤصّل لثقافة الحياة ، وتتصدى لثقافة الموت ، يقول الله تعالى :

( أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ۚ  ) . المائدة : الاية : 32 .

وحتى تشريع القصاص ، هو تشريع من اجل الحياة لامن اجل الموت ، يقول الله تعالى :

( وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) . البقرة : الاية : 179 .

والقران الكريم اعتبر دعوة الرسول ، دعوة الى ثقافة الحياة :

( اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ  ) . الانفال : الاية : 24 .

ولكون ثقافة الحياة هي الاصل ، جعل الله تعالى احدى معجزات رسولا من رسله العظام وهو عيسى بن مريم عليه السلام ، احياء الموتى ، كما جاء في قوله تعالى :

( وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ ۖ  ) . ال عمران : الاية : 49 .

واصالة ثقافة الحياة في القران الكريم ليست مقتصرة على الحياة الانسانية ، بل هي شاملة لكل مظاهر الطبيعة ، يقول الله تعالى :

( وَاللَّهُ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ ) . النحل : الاية : 65.

( رِّزْقًا لِّلْعِبَادِ ۖ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا ۚ كَذَٰلِكَ الْخُرُوجُ ) . ق : الاية : 11 .

( وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ  ) . الانبياء : الاية : 30 .

كما ان المحيي اسم من اسماء الله تعالى ، وثقافة اصالة الحياة في القران الكريم ، لاترى الموت عدما وفناء ، بل تراه صورة اخرى من صور الحياة التي لاتنتهي .ولاصالة هذه الثقافة تحدث القران عن فكرة الخلود ، الذي يعني ان الحياة هي الاصيلة وجودا وبقاء ، يقول الله تعالى :

( خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ ۖ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ  ) . ابراهيم : الاية : 23 .

الغرب وثقافة الموت

الغرب المادي الذي اقبل على الحياة ، وقدم انجازاته في مختلف مجالات الحياة ، فهل يعني ذلك ان ثقافة الموت غائبة عند الغربيين ؟

ثقافة الموت بدات تحل محل ثقافة الحياة ، بعد ان هجر الغرب دينه ومسيحيته ، فالاجهاض الذي تحرمه المسيحية ، صار امرا مقبولا ، وامرا قانونيا ، والاجهاض مفردة من مفردات ثقافة الموت ، وازهاق الحياة . والانتحار مفردة من مفردات ثقافة الموت السائدة عن الغربيين . والقتل الرحيم الذي صار مقبولا ومشروعا في اغلب الدول الغربية ، وهو مفردة اخرى من مفردات ثقافة الموت التي بدات تحل محل ثقافة الحياة ، وقتل الاطفال الرضع ، ظاهرة بدات تتحدث عنها الصحف ، وتبرزها على صفحاتها .

وهذه الثقافة دعمتها نظريات ، منها نظرية مالثوس في التفجر السكاني ، على اساس ان السكان يتزايدون بنسبة متوالية هندسية ، 1، 2 ، 4 ، 8 ، 16 ، 32 …. والموارد الغذائية تتزايد بنسبة متوالية عددية ، 1، 2، 3 ، 4 ، 5 ، 6 … فيؤدي ذلك الى ندرة الموارد بالقياس الى تزايد عدد السكان ، فتحصل ازمات اقتصادية . وكانت نظرية مالثوس قد ادت الى كوارث وتداعيات مميتة ؛ اذ كانت المبرّر الاساس ، لابادة كثير من الشعوب ، واجبر السود والهنود الحمر على اجراء التعقيم القسري ، وفي روسيا ابيد 12-15 مليونا من البشر ، بحجة اعتصار التراكم المطلوب للتنمية . وثقافة الموت موجودة في فكرة الصراع الطبقي الدموي في الماركسية، الذي يحل المشكلة بسيطرة طبقة على طبقة ، وموجودة في فكرة الانتخاب الطبيعي وانتخاب الاصلح الداروينية ، فهي تمثل مرجعيات لثقافة الموت .

وثقافة الموت كانت سائدة في ذهنية الانسان الابيض ، فامريكا قامت على ابادة الهنود الحمر ، والحروب الاستعمارية التي ابيدت فيها شعوب ، تصنف ضمن مفردات ثقافة الموت . ومازالت تبتكر اليات جديدة للموت .

وفي الختام ، ان ثقافة الموت التي تبنتها الجماعات المتطرفة ، ليس النص الديني مسؤولا عنها ، وانما تتحمل المسؤولية عنها الافهام المعوجة والمريضة ، في قراءة النص الديني ، اما ثقافة القران فهي ثقافة تدعو الى الحياة ، واحترام حق الانسان .

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى